الموسيقار السوداني علي عثمان الحاج رحلة من الجنوب الى الشمال
ثقافة

الموسيقار السوداني علي عثمان الحاج رحلة من الجنوب الى الشمال

راشد تاج السر عمر – القاهرة

عشق الموسيقى فأصبحت هي الروح التى تسكن بين جنباته .. شغلت نفسه فكانت له أكسيراً للحياة تمنحه القدرة و العزم و الأمل .. فأعطى فى ضروب الموسيقى المختلفة تأليفاً و تلحيناً و تعليم .. هاجر من جنوب الوادي الى شماله .. من السودان الى مصر .. سعياً وراء مشروعه الفني فكان له ما أراد .. و ترك بصمته الفنيه مع تلميذاته فى أوركسترا النور و الأمل .. ظل يهرول معهن ما بين النوتة و النغم حتى أستبد به تعب المسير .. و رهق المشوار الطويل .. فخارت قواه على عتبات المسرح الذي كان سيده و صاحب صولته .. و أسلم الروح بين من أحبهن و قضى 27 عاما من عمره بينهن .. إنه الدكتور علي عثمان الحاج أستاذ التأليف و القيادة بمعهد الكونسرفتوار و مايسترو أوركسترا النور و الأمل للكفيفات .. ننشر هذه المادة بمناسبة مرور الذكرى الخامسة على وفاته.

السيرة الذاتية :
المرحوم الدكتور علي عثمان الحاج ولد في الثاني من أغسطس 1958م بأم درمان ، سافر في العام 1978 الى القاهرة لدراسة الطب تلبية لرغبة والده ، لكن شغفه بالموسيقى جعله يعدل مساره الأكاديمي فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى المعروف بكونسرفتوار ، حصل على بكالوريوس التأليف الموسيقي ثم الماجستير و الدكتوراة و التي كانت عن الضروب الايقاعية العربية و دورها في البناء اللحني في الموسيقى التقليدية.
سافر الى سويسرا بمنحة من الحكومة السويسرية لدراسة الموسيقى قدم من خلالها عددا من مؤلفاته الفنية مثل موسيقى الحجرة و ليالي و أجواء و لا ترحلي و غيرها. عاد بعدها الى مصر و تولى مسؤولية مكتبة الأوبرا في القاهرة وعمل أستاذا بالكونسرفتوار و معهد الموسيقى العربية و قضى غالبية عمره المهني في الاشراف على اوركسترا النور و الأمل التي طاف بها عدد من دول العالم.

أوركسترا النور و الأمل :
هي أوركسترا موسيقية تعتبر الأولى من نوعها في العالم حيث تضم قرابة الخمسين عازفة و جميعهن كفيفات ، تأسست هذه المجموعة الفنية في العام 1961 بمبادرة من الدكتورة سمحة الخولي رئيسة الأكاديمية المصرية للفنون و التي تبنت موهبة الراحل علي عثمان الحاج و أشرفت عليه ، تنتمي جميع العازفات الى معهد النور و الأمل الذي تعلمن فيه قراءة النوتة الموسيقية على طريقة برايل ، زارت الأوركسترا أكثر من ثلاثين دولة و قدمت أعمالها الموسيقية فيها و كان يقودها المايسترو الراحل د. أحمد أبوالعيد و الذي خلفه الراحل د.علي عثمان الحاج.

لقاءنا به :
سمعت عن سيرته منذ فترة خلت و كان ذلك في العام 2016 ، فقمت بزيارته رفقة بعض الأصدقاء بمقر جمعية الأمل و النور للكفيفات بمصر الجديدة في القاهرة ، جلسنا الى الرجل و تجاذبنا معه أطراف الحديث عن رحلته العلمية في عالم الموسيقى ، و التي حملته من السودان ليستقر به المقام في مصر لدراسة الموسيقى و التخصص فيها ، ليصبح بعدها من كبار أساتذة الكونسرفتوار ، تزوج من زميلته المصرية الدكتورة تحية شمس الدين رئيسة قسم الغناء بالكونسرفتوار و أنجبا إبنهما الوحيد يوسف ، و من ثم أصبح قائداً لأكبر أوركسترا للكفيفات في العالم .. أوركسترا النور و الأمل .. شهدنا معه بروفة لمجموعته الرائعة و استمعنا لبعض مؤلفاته الموسيقية .. و اتفقنا على تحديد موعد آخر لإجراء حوار شامل حول مسيرته الفنية الرائعة ، و لكن تشاء إرادة الله الغالبة أن يرحل الى رحمة الله في 16 فبراير من العام 2017 قبل أن يكتمل حوارنا معه.

و تحول الحوار المرتجى مع الدكتور علي عثمان الحاج الى تحقيق عنه بعد رحيله الفاجع .. إلتقينا في هذه المادة ببعض من عاصروه في رحلته الفنيه فكانت هذه افاداتهم:
الأستاذة آمال فكري نائب رئيس جمعية النور و الأمل لرعاية الكفيفات :
إنضم المرحوم د.علي عثمان للجمعية عام 1990م كأستاذ لمادة السولفيج والهارموني ، وفي عام 2000 عمل كمساعد للمايسترو الراحل أحمد أبوالعيد مؤسس أوركسترا النور والأمل، حتى وفاته فى العام 2004م و تسلم بعد ذلك قيادة الأوركسترا وتحمل المسئولية بكل اقتدار ، فهو المدرب و القائد و المعلم الملهم ، قاد الأوركسترا فى أزهى سنينها ، و طاف بها العديد من دول العالم حتى لُقبت بالهرم الرابع.
و كانت تربطه علاقات مميزة بجميع العاملين في الجمعية ، أما بناته العازفات فكانت علاقته معهن قمة في الخصوصية فكان يفهم طبيعتهن و يقدم لكل واحدة منهن الدعم المعنوي و الفني و العلمي و حتى على المستوى الشخصي ، و طوال فترة ال27 عام التى قضاها داخل الجمعية كان مثالاً للأخ و الصديق و الأب و الزميل لكل العاملين.
و الدكتور علي عثمان عالم في الموسيقى حيث ألف العديد من المقطوعات و تحصل على جوائز عالمية من المانيا و سويسرا و الولايات المتحدة ، و كان أستاذ في الكونسرفتوار و عدة معاهد موسيقية و لكنه عندما يحضر للجمعية يشعرنا كأنه لا يوجد إهتمام في حياته غير الجمعية.
سافرنا جميعاً بصحبة الأوركسترا للعديد من الدول و في السفر نكون عبارة عن أسرة واحدة كبار و صغار مشرفين و عاملين و كان هو من يزرع في دواخلنا هذا الشعور و يهتم بكل تفاصيلنا .. و لقد قاد الفرقة في العديد من الحفلات العالمية في تايلاند ، الهند ، اليابان ، اليونان ، بلجيكا ، مالطا ، النمسا ، المجر ، سلوفاكيا ، سلوفينيا ، التشيك ، المانيا و فرنسا أربعة مرات ، إحداها كانت في مقر اليونسكو و أخرى عزفت فيها الاوركسترا في القرية التى ولد فيها لي برايل مخترع الكتابة البارزة للمكفوفين.
و في منطقة إسمها سدريه بفرنسا قدم الراحل مع بناته نموذج للنجاح الباهر حيث تمت منافسة بين أوركسترا النور و الأمل و أوركسترا فرنسية و تم الاتفاق على قطعة فنية معينة يتم عزفها ، و كانت الأوركسترا الفرنسية تعزف و أمامها النوتة الموسيقية و بناتنا يعزفون على الغائب و رغم ذلك شهد المايسترو الفرنسي أن مجموعة النور و الأمل أفضل مائة مرة من الفرقة الفرنسية و كل هذا النجاح دلالة على الجهد و العطاء الذي قدمه الراحل لفرقته.
سألنا الأستاذة آمال فكري عن تصنيف الأوركسترا فقالت :
يصنف أوركسترا النور و الأمل أنه الأول على المستوى العالمي لأن جميع العازفات الموجودات فيه كفيفات و هي الأوركسترا الوحيدة التي تعزف مزيكا كلاسيكي و مزيكا عربي متطور ، و الكلاسيكي لا يمكن تعلمه بالسماع فقط و يستلزم أن يدرس بالنوتة ، فتكتب النوتة بالبرايل و تقوم العازفات بمذاكرتها و حفظها ، و كان الراحل يقوم بالتنسيق و الهارموني حتى يخرج العمل في قمة الروعة.
و نحن نسعى لإدخال الأوركسترا في موسوعة جينيس للأرقام القياسية ، خاصة أن هناك محاولات من عدة دول لتكوين فرق مشابهة مثل كوريا مثلاً و لكنها لم تستمر ، و ما يميز أوركسترا النور و الأمل العدد الكبير حيث يبلغ عدد العازفات 50 عازفة من ثلاثة أجيال مختلفة حيث توجد عازفتين من الجيل الأول و عشرة من الجيل الثاني و غالبيتهن من الجيل الثالث.

سعادة السفير د.محمد حجازي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق و عضو مجلس إدارة الجمعية :
كان الراحل د.علي عثمان يمر بظروف صحية في الفترة الأخيرة ، و رغم ذلك كان مصراً على أن يكون مع بناته في حفل يوم 16 فبراير و الذي كانت تقيمه مؤسسة مصر الخير لتكريم الداعمين للمؤسسة ، و صمم الراحل أن يأتي من المستشفى ليقود الاوركسترا بنفسه ، و حضر الى الفندق و قبل أن يصعد الى المسرح توفاه الله الى رحمته ، و بعد هذه الصدمة الكبيرة حاولنا الا يصل الخبر الى بنات الفرقة و لكن المذيعة قدمت الفرقة معلنة أن الفرقة ستعزف رغم حدوث حالة وفاة ، فحدث الإنهيار وسط البنات.
و كانت هناك جدولة وضعها الدكتورعلي رحمه الله لعدة حفلات من ضمنها حفلة في الأوبرا المصرية ، وقامت الفرقة وفاءاً له بتنفيذ هذه الحفلات و كانت الدكتورة تحية شمس الدين زوجة الراحل حضوراً فيها حتى تدعم بنات الفرقة و تساندهن.

الموسيقار السوداني دكتور كمال يوسف :
تعرفت على الموسيقار السوداني الراحل الدكتور علي عثمان الحاج إبان زيارته للسودان في العام 2013 حيث التقيت به و أجريت معه حوارات اذاعية ضمن برنامج ” نغم وجمال ” في إذاعة البيت السوداني ، و كانت حلقة توثيقية عن حياته و صلته بالموسيقى و تجربته قبل أن ينتقل الى مصر بنية السفر الى كندا لدراسة الموسيقى ، لكنه استقر في القاهرة و بذل مافي وسعه من جهد في دراسة الموسيقى في كونسرفتوار القاهرة و يشهد له زملائه بتميزه و جديته في التحصيل بل تشهد له بذلك أستاذته دكتورة سمحة الخولي و التي كانت عميدة للمعهد ، منذ ذلك العام توطدت صلتي به للثلاث سنوات التالية حيث كنت التقيه في القاهرة و كثيرا ما حضرت معه تدريبات أوركسترا النور و الأمل و التي كانت تجربة رائدة أشرف عليها لعقدين من الزمان تقريبا الى أن وافته المنية و هو يستعد لتقديم حفل مع هذه الأوركسترا.
لاشك ان دكتور علي عثمان قد إختط مسارا مختلفا في خارطة الموسيقى السودانية الحديثة ، حيث نحى منحىً أكاديميا زاوج فيه بين دراسته المتعمقة لفنون و علوم التأليف الموسيقي و بين الخصائص النغمية و الايقاعية للموسيقى السودانية ، و تظهر هذه الميزة بشكل خاص في مؤلفه (من الجنوب) التي تظهر حرصه على توظيف المقامات الخماسية السودانية الى جانب الايقاعات الشعبية و منها ايقاع المردوم ، هذا الى جانب عدد كبير من الأعمال الأخرى التي وضعها لمجموعات الآلات الموسيقية المختلفة ، و التسجيلات المتاحة لهذه الأعمال كانت قد نفذتها معه أوركسترا الاذاعة السويسرية في العام 2000 مما يؤكد على بلوغه مصاف العالمية من خلال ما ميز أعماله من بصمة خاصة ، رحم الله الموسيقار السوداني علي عثمان الحاج بما أضافه من لون لتراث الموسيقى السودانية و العالمية في آن واحد.
و كنت قد شاركت في حفل إحياء ذكراه الثالثة في العام 2020 بمصاحبة عدد من الزملاء الموسيقيين السودانيين و قدمنا عدد من مؤلفاته على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية و كان ذلك بدعوة كريمة من حرمه الدكتورة تحية شمس الدين.

العازفة مريم :
أنا علاقتي مع د.علي بدأت و أنا عمري 9 سنوات و بالنسبة للمواقف التي تربط بينه و بين طلابه أذكر أني أول ما دخلت كنت بعزف “كلارينت” ، و كان مفترض أسافر مع الأوركسترا في السنة الثانية و كنت لسة صغيرة مش عارفة إيه يعني أكون عازفة مسؤولة و جزء من فرقة كبيرة ، فهو اللي علمني كيفية الالتزام و تحمل المسؤولية و أنا أصغر عضو في الفرقة ، و قرر أني أعزف “صولو” و كان صعب عليا و لكن د.علي أصر و قالي إنك حتقدري و قدمني للجمهور.
و كان داخل في حياتي جداً ، كان بيعرف أنا بحب إيه و بكره إيه ، و لما دخلت الكلية و أخترت إني أدرس إسباني كان مبسوط جداً ، و كان عارف أني عندي حب للغناء فكان بيصر عليا إني أدخل في منافسات البرامج الغنائية ، و حتى الشخص الكنت عاوزة أرتبط به كان المرحوم يصر أن يقابله و يتناقش معاه و يعرف مستوى تفكيره.
العازفة شيماء :
دكتور علي عثمان كان أب و أخ و صديق قبل أن يكون مايسترو للفرقة، و أنا شخصياً كنت بستشيره في كثير من القضايا الخاصة و قضايا الشغل و لم أكن أشعر بأي حواجز بينه و بيننا ، و كان خارج البروفة شخص عادي جداً ، نأكل و نشرب مع بعض و نهزر مع بعض ، يحكي لنا عن تجاربه في الحياة حتى نستفيد منها ، و حتى الأشخاص الذين يتقدمون للزواج من بنات الفرقة كان د.علي حريص أن يتعرف عليهم ، و إذا كان في واحد منهم معترض على عمل خطيبته في الأوركسترا كان د.علي بيقنعهم أنو دي حاجة ايجابية إنو زوجتك تعمل في أوركسترا عالمية و مجال راقي زي كدا.
و يسافر للأرياف مع يوسف أبنه ليشارك في مناسبات عازفات الأوركسترا ، كما كان يوجهنا دائماً بأن نجوّد عملنا حتى لا يحاسبنا أحد على التقصير ، و أذكر عندما ذهبنا لحضور مناقشة الدكتوراة بتاعتو كان في غاية السعادة و بعد المناقشة عملنا حفلة و أتبسطنا معاه فقال لنا كلمة ما زالت مؤثرة فينا حتى الآن : ( أنا ما ليش أهل في مصر يا شيماء .. أنتم أهلي )

د.تحية شمس الدين زوجة الراحل :
– بدأ التعارف بيننا في مرحلة الدراسة الثانوية ، و دكتور علي أتى من السودان الشقيق بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة لدراسة آلة الجيتار بالكونسرفتوار ، و كان قد قدم لدراسة الطب بالسودان تلبية لرغبة والده ، و لكنه حول أتجاهه لدراسة الموسيقى و كان للقاءه بدكتورة سمحة الخولي أثر كبير في ذلك. و التحق بقسم الوتريات نسبة لعدم وجود فصل دراسي خاص بالجيتار ، و حصل على دبلومة في آلة الكونترباص بإمتياز ، و في نفس الوقت التحق بقسم التأليف و القيادة ، و طوال هذه الفترة كنا سوياً في الدراسة الموسيقية حتى التخرج ، و طلب مني أن يتقدم لطلب يدي ، و جاء لزيارة أهلي في المحلة الكبرى و لكن الظروف لم تكن مواتية نظراً لوفاة جدتي ، و تأخر الموضوع الى أن أنتهينا من مرحلة الماجستير و كان دكتور علي أخ لأخوتي و عائلتي.
– أعرف علي بطيبة قلبه و نفسه الهادئة و قد شدني له شخصيته المتفردة و الغير مكررة ، و إطلاعه و ثقافته الواسعه في كل المجالات ، كان عطوفاً و لديه من الصفات الإنسانية الكثير أكاد لا أراها في شخص آخر سوى دكتور علي رحمه الله و كان الجميع متفقون عليه.
– كان دائماً يردد ” اللهم لا تجعلني سبباً في إيذاء عبداً من عبادك” ، كان لا يجيب الا إذا دُعي للكلام ، و كانت اجابته وافية قاطعة و كان مستمعاً جيداً لكل الآراء.
– وجودنا في مجال واحد كان ميزة كبيرة لكلينا ، فقد تعلمت منه الكثير و تعاونا سوياً حيث كتب لي مجموعة أغاني و قمت بأدائها في جميع حفلاتي الغنائية.
– علي عثمان لديه اكثر من 100 عمل موسيقي ، عزف منها الكثير في معظم دول أوربا ، و لقد عزفت له أوركسترا سياتل الأمريكي عمل يسمى ” فيوجن ” بعد تولي الرئيس الامريكي دونالد ترامب و لكن للأسف لم يسمعه المرحوم.
– أنا بعتبر نفسي محظوظة لأني تزوجت بدكتور علي ، لأن لديه مميزات تجعلني أقول أنه كان أقرب للأولياء الصالحين .
– دكتور علي كان الأب الروحي و القائد لأوركسترا النور و الأمل ، و كان حلمه أن تزور الأوركسترا السودان و أتمنى ان يتحقق هذا الحلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *