في حواره مع المخبر..
الروائي عمر الصائم :
في الشعر يكون التدفق أعلى وتيرة وأشدُّ اضطرابًا،و للسرد خصائص أخرى..
نواجه أزمة في أخلاقيات النشر، مهنيته، واحترافيته.. والكثير من الناشرين يسعون للتربح على حساب الكاتب..
حاورته/هادية قاسم
الكاتب الروائي عمر الصائم من الروائيين الذين لديهم تجارب كبيرة في كتابة الرواية وله منها عدد من الإصدارات، وقد عُرف بكتابته السردية الا انه اتجه مؤخرا الي قالب الشعر مفردا للقافية مساحة بجانب مساحة السرد لديه.(المخبر) اجرى معه الحوار التالي متناولا قضية تحول الكاتب من ضرب الي آخر وبعض القضايا ذات الصلة :-
*ما سر انتقالك من السرد الي الشعر؟
_ أحبُّ الكتابة في كافة تجلياتها، وهذه المحبة تحلق بي عابرًا أجناسها.. لا أتخيرُ لنفسي شكلًا أو نمطًا محددًا، الموضوع والإحساس يأخذ سمته وموقعه المناسب فيأتي سردً أو شعرًا.. صحيح لكل جنس سماته وخصائصه، ولكن ليس ثمة ما يكبح الكاتب أن يبرع في أكثر من جنس؛ أتصوّر أنني حذق في ذلك وغير ميال أو مهتم بتوصيفي كشاعرٍ أو سارد أو ناقد، ما يشغلني هو أن اقبض على الكتابة في هذا العالم القاسي جدًّا.. أما الشعر على وجه الخصوص فأعتقد أنه يورق في كافة الأجناس ويزيدها بهاء وحميمية..
* وأيهما أسهل في نظرك؟
_في كليهما التجربة الشعورية ليست سهلة؛ انسكاب الكلمات قطرة قطرة مع خفوت التوتر الشعوري يلازمني في السرد والشعر.. في حالة الأخير يكون التدفق أعلى وتيرة وأشدُّ اضطرابًا، للسرد خصائص أخرى تعمل كلوحة تحكُّم أو منظم لبناء السردية، وفي كليهما أعيد القراءة وأقوم بتبديلات طفيفة تدعم الحالة الشعورية الباعثة للكتابة.
* ومتى تكون الكتابة شاقة ؟
_ عندما أكتب في سردية عن شخصية لا أحبُّ نظيرها في الحياة، أو اختلف معها في رؤيتها ومساراتها الحياتية، تكمن المشقة في كيفية المحافظة على مساحة حرة في بناء الشخصية وعدم التورط في استقباحها، وتركها تنمو بعيدًا عن سطوة مشاعر الكاتب.
في الشعر تكون شاقة عندما تنحت تجربة جديدة فيها الشاعرية الكثيفة والمعنى وتحاول أن تجد شكلًا ولغةً اقرب لذائقتك وذات صلة بذائقة القارئ وتصوره لما هو شعر.. مشقة الكتابة هي متعتها وغوايتها وأي كتابة خالية منها في تصوري لا يعوَّل عليها..
* هل نعاني من ازمة نقدية ؟
_ هناك مشكلة قديمة تتعلق بالمؤسسات التي تنتج المعرفة وتنشرها، وهي مشكلة تكوينية ترتبط بسياقات تأسيسها والأدوار المرسومة لها، الجامعات نموزج لهذه الحالة، وهناك مشكلة ترتبط بحداثة المفاهيم النقدية وارتباطها بمنهاج فلسفية من سياق آخر، وحين يتعاطى معها العقل السوداني يتعين عليه إجراء تفاعل حيوي مع الواقع ومع موروثاته وديناميكية الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي.. هذا الواقع شديد التعقيد ولكنه لا يمثل أزمة إلا بمقدار ما تحمله الكلمة في كافة مناحي الاشتغال الذهني؛ وبالتالي الأزمة ليست حصرًا على النقد فقط.. ومع ذلك ثمة اجتهادات كبيرة في مجال النقد ونقد النقد، والفكر عامة، هذه الاجتهادات في الغالب ينهض بأعبائها أفراد في ظروف معقدة وشديدة التواطؤ ضد فعل الكتابة؛ فلهم منا التحيات، ولا أعني أن الوضع على مايرام ولكنه تحسن ويمضي للأمام خاصة مع انتشار مؤتمرات الرواية والشعر والقصة ودور بعض المراكز الثقافية في رفد هذا الجانب، وسيكون دخول الجامعات إلى مجال النقد ونشره دفعة قوية للأمام.
* القراءة الورقية وهل انتقص منها النشر الالكتروني؟
_ كثير من المفاهيم والاتجاهات تتعرض لتغيرات جسيمة بفعل إعصار الانترنت الجارف.. القراءة نفسها وليس وسيلتها تتعرض لانتقاصات من أطرافها ويتجه العالم نحو المشافهة المفضية إلى أضْرُبٍ من المُتَع التافهة؛ جرَّاء التطبيقات المهولة بدءًا من اليوتيوب وليس انتهاءًا بتك توك. وبدلًا من المثقف العضوي ظهر ما يمكن أن أسميه بالمثقف التطبيقي (الآبِيّ )؛ فهل نرجو من القراءة وكتابها الورقي أن تظل قابضة على جمر المعرفة؟ نعم سيظل للورق بريقة وللكتاب عبقه الجمالي والمعرفي.. قناعتي أن ولادة الجديد لن تكون إلا باستصحاب القديم خاصة إذا كان هذا القديم هو الكتاب الورقي بكل جلاله التاريخي.. من الجانب الآخر لن يتوقف النشر الإلكتروني وسيكون مدعاة لتوسيع القراءة الجادة والممتعة وليس بالضرورة أن نضعهما أي النشر الورقي والإلكتروني في حلبة مصارعة، وننتظر أن يصرع أحدهما الآخر.
* الطباعة والنشر واستفحال أزمة الطباعة في ظل الظروفةالراهنة..
_ أزمة الطباعة مقدور عليها، لأنها جزء من أزمتنا في التعاطي مع الثقافة كإنتاج، وعدم تفهم من الدولة والجهات المعنية باقتصاديات الثقافة، سواء في المسرح، السينما.. إلخ. مقدور على حلحلة هذه الأزمة متى ما تمت إعادة الدولة إلى دورها التخطيطي والتنفيذي الحري بها.
نواجه للأسف أزمة في أخلاقيات النشر، مهنيته، واحترافيته.. الكثير من الناشرين يسعون للتربح على حساب الكاتب بغمطه حقوقه وتحميله نفقات نشر الكتاب، وأحيانًا على حساب الكتاب بنشر الردئ منه طمعًا في التكسُّب بغض الطرف عن جودة المنتج.. إن بروز سياسات نشر ذات جودة ومعيارية كفيل بتصحيح هذه الأزمة.


